ثَقَافَةُ "النَّوْعِ" فِي المُجْتَمَعِ الْمُورِيتَانِي..

Share

أدركتُ سيدات فُضلياتٍ، من أمثل من أدركتُ من النساء، يتذاكرن في كبرهن بإعجاب، وإشادة، موقفا ظريفا للرجل الصالح العابد، المتوفى ساجدا، أديب الحسانية الكبير محمد ولد محمد اليدالي رحمه الله.. كان محمد ولد محمد اليدالي جالسا أمام خيمة يزور أهلها على أطراف بتلميت،

 فشاهد فتيات ينهضن من خيمة مجاورة كُنَّ مجتمعات فيها يَقْلِبْنَ "إصَيْفْطُ" صديقات لهن، وغير بعيد منهن، كان شُبَّان يجلسون في خيمة أخرى، ولم يُغْرِهِم مشهد الفتيات يمشين الهوينا، فنادى محمد على شخص، وقال له: "أدْفَعْ شُورْ ذُوكْ الْكَوْمْ أُكُولْهُمْ عَنْ بَكِيتْهُمْ أُرَ ذُوكْ الصَّيـْدَاتْ أشْوَيْنَ"..

في ثقافة المجتمع الموريتاني منظومة قيم محمودة في الرجال، ومن مقومات فتوتهم تسمى بالحسانية "اتْنَسْوِي"، قوامها إتقان فن مفاكهة النساء، وإشعارهن بأنهن موجودات، ولهذا الموقف كان محمد ولد محمد اليدالي يوصف بأن حظه من هذه المنظومة عظيم..

في ثقافة المجتمع الموريتاني "لَا بُدْ الَّمْرَه مَنْ كَلْمَه"، فهي المدللة التي لا تصنع شيئا بحضرة الرجل، وهي عمامة الجواد من الرجال، وحذاء الكلب منهم، وتقتضي الفتوة، والرجولة أن يشعرها الرجل، وهي قربه مهما كان وضعها أنه يحس بوجودها، ويحصل ذلك بقولٍ: "ذِكْرَه" أو "تَكْرِيظَ" أو "تشْظِيفَه"، أو بفعلٍ: غمزة بطَرَفٍ، أو تشبث بِـ "طَرْفٍ"، أو انتزاع لمسواكٍ من يد أو فمٍ، ولأجل "أذَّكْرَه" يزاد للمرأة في عَشَائها، ومن حرمتها فقد حرمت خيرا كثيرا، ويستعاذ من حالها، وتغمس الأصابع في التراب..

لم يكن من ثقافة المجتمع الموريتاني أن يعزل النساء عن الرجال، وقد كان الإمام بداه ولد البصيري رحمه الله تعالى يقول في معرض نقده لبعض عادات المجتمع إن الرجل في المجتمع البدوي الموريتاني حين يزور الخيمة أول ما يشاهد "كَدْحَتْ المَرْوَبْ وشْوَيْبَّاتْ الْكَاعْدَاتْ دُونْ أدْبَشْ"، ولما حجبت بعض العائلات العلمية في البلاد نساءها، وبنت خِيَّمًا أخرى للضيوف، عاب ذلك عليهم بعض قومهم، ومنهم من رجع على أثره لما علم أنه سيستضاف حيث لا يوجد النساء..

تعايشت هذه الثقافة - التي يمكن أن توصف بأنها ثقافة اختلاط أو مجون - مع مستوى رفيع من العفة والطُّهر، يفرض على الرجال "حُوصْ لعليات فدَّارُوكَ"، أي تزوجهن في أول أعمارهن، وكان ذلك مما تمتدح به النساء، وبلغت بقيمة المرأة ما نقله علامة موريتانيا المختار ولد حامد في حياة موريتانيا الثقافية: <<النساء عند عامة القطر كأنهن لم يخلقن إلا للتبجيل والإكرام، والتودد لهن، فلا تكليف عليهن، ولا تعنيف..>>، إلى أن يقول: <<..ويستحسن عندهم إظهار المحبة لهن، والرغبة فيهن..>>، ويضيف: <<..والأغلب فيهن عدم الإحتجاب مع العفة..>>..(حياة موريتانيا الثقافية/ ص: ١٧٩ - ١٨٠)..

وصل التمييز الإيجابي لصالح المرأة ميدان القضاء، فقد كان قاضي منطقة بتلميت العلامة سيد محمد (الرَّاجلْ) ولد الداه ولد دَادَّاهْ يقول: "لَمْرَه أْمْنَيْنْ تَرْبَطْ أنْعَايْلْهَ ودْكِيسْ القَاضي مَعْنَاهَ عَنْهَا أفْرَغْ أصْبَرْهَا"..

عند الموجة الأولى من "التَّرَقِّي" لما تركت النساء لبس النِّيلَه، وأشياء أخرى من عادتهن، شَقَّ ذلك على محمد ولد محمد اليدالي أيضا، فسمع هاتفا ينشد:

لَمْرَ ذَ الدَّهْرْ ألَّا شْقَابْ -- عَادَتْ جِنَّ مُفَيْظَ

أبْلَا ظَفْرَ، وبْلَا كْلَابْ -- وبْكُفُّتْهَ ومْبَيْظَ..أ.هـ

استغفر الله العظيم وأتوب إليه..



القاضي أحمد ولد عبد الله

Share

معلومات إضافية