الشيء بالشيء يذكر

Betoul Abdel Hayيحكى أن رجلا يدعى انبطشيفوا جاء إلى بئر قليل الماء ومكتظ بالواردة فلم يستطع الحصول على ماء لأنه بلا دلو ولم يجد من يساعده لانشغال الناس في جذب حاجتهم من البئر الضنين ، فلما يئس منهم ذهب إلى مكان قريب وأرسل رسوله للواردة : فجاء الرسول وقال لهم انبط شيفو يقرئكم السلام ويأمركم أن تملؤوا له هذه القرب .

تذكرت هذه القصة وأنا أطالع رسالة أو إحالة أوتعميما ..موجها إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، رسالة على عكس ماهو معهود للرسالة الادارية ذات موضوعين.

موضوعها الأول : طلب للوزير بأن يتعامل مع الاحكام القضائية الوردة لوزارته بإيجابية طبقا للمساطر الإجرائية ، بهدف تعزيز دولة المؤسسات .
أما موضوعها الثاني : فهو إحالة ملفات مجموعة من الموظفين حصلت على شهادات عليا بعد "تكوين مرخص" وحصلت على حكم من المحكمة باحقيتها في الدمج في سلك التعليم العالي .

قرأت الرسالة فالحت علي مجموعةمن التساؤلات منها :

مادلالة أن يكون التكوين مرخصا وهل تترتب على ذلك تلقائيا حقوق ما ؟
هل أرسلت رسائل مماثلة لكل الوزارات التي لدى موظفيها حالات مشابهة.

هل ياترى سيساهم مثل هذه الرسالة في حل مشكلة استعصت على الحل منذ أزيد من عقد من الزمن ،تعاقب فيها على الوزارة مستفيضة من الوزراء
هل يتوقع أن تحل رسالة بهذا المستوى والشكل والمضمون قضية بمستوى تعقيد وشمولية قضية دمج الموظفين الحاصلين على شهادات عليا في سلك التعليم العالي.
إنها فعلا تشبه رسالة "الصيد الفائت"بل و تنبئ عن عدم فهم لأبعاد وحيثيات الموضوع .
أما كان حريا بالمرسل و الاجدى للمتظلمين - سواء من وجدوا في القضاء من يتعاطف معهم فحصلوا على احكام قضائية أو للمتظلمين الذين لم يحظوا بذلك الامتياز - أن يعقد الوزير الأول جلسة مع الوزير المعني بل الوزراء المعنيين ويبحث معهم سبل تنفيذ هذه الاحكام والمعيقات التي اعترضت سبيلها طيلة هذه الفترة بعيدا عن الأضواء .
أما آن أوان بحث هذه القضية ومثيلاتها بروية وموضوعية وطرحها على ميزان المصلحة العامة أولا، وبمايضمن الحقوق الثابتة للافراد ثانيا لايجاد حلول جذرية في كل قطاعات الدولة بدل -الحل بالمناسبة- حل جزئي ترقيعي هنا أوهنا أو هناك لما تتوفر له جهة ضغط ، وهذا النوع أيضا مما لا يخدم دولة المؤسسات ويضعف سيادة القانون .

إن إيجاد مثل ذلك الحل سيتطلب بدون شك إضافات تحسينية للنصوص القائمة فقد تطرق قانون الوظيفة العمومية للموضوع في باب الراحات 09.93 بشكل غير مفصل لكن بدون أن يلزم الهيئة المشغلة بدمج الحاصلين على الشهادات في الأسلاك العليا مالم تدع الحاجة إلى ذلك .

ومع أني أحبذ دمج أصحاب الشهادات لاني أرى أنه قد يضيف خبرة للقطاع المشغل من جهة ويشكل تشجيعا للموظفين من جهة ثانية .
إلا أن كل ذلك يجب أن يكون وفق نظام محكم يأخذ في الحسبان التوازن بين العرض والطلب في قطاع التعليم عموما ، كما يأخذ في الحسبان أن التعليم العالي صرح علمي مهمته الأولى إنتاج المعرفة وليس تشغيل الناس أو ترقيتهم في الوظيفة، بل عليه أن ينتقي الأجود من أجل إنتاج الاجود ، و هو هدف لن يخدمه تسلق كل من حصل على شهادة عليا بطريق ما .

وكما تعرفون "فالذي عضه الحنش يخلعه الحبل " فالتعليم العالي له تجربة في الموضوع مازالت تلاحقه لعنتها حتى اليوم ومن المجازفة ترك المجال مفتوحا لتكرارها .

وعليه فينبغي أن تحدد حكومة معالي الوزير الأول بداية ماذا تريد ؟ هل تريدتعليما جامعيا بالمعايير المقبولة عالميا ، تعليما يكون رافعة لتنمية راس المال البشري وصولا للمادي ، وهو أمر بطبيعة الحال ما زلنا بعيدين منه ، لكن يمكن القول أننا بدأنا الخطوات الأولى على السكة الصحيحة لقطع مسافة الالف ميل ومن واجب الجميع دعم ذلك المسار خدمة للمصلحة العامة حتى ولوتمت التضحية ببعض المصالح الخاصة.

أم أن حكومتنا لا قدر الله تريد هيئة خيرية يستفيد منها أكبر كم ممكن من الموظفين في آواخر مسارهم المهني ، كسبا لودهم على حساب جودة المنتج ، وهو أمر عانينا منه في مراحل من تطورتعليمنا عموما والتعليم الجامعي بشكل أبرز ، ويجب قطع الطريق أمام تكراره .

فأي من الخيارين ستختاره حكومتنا الموقرة ، والجمع غير ممكن فلكل خيار آلياته ونتائجه التي لا تناسب الخيار الآخر بطبيعة الحال وكما قيل :

وي ونون ألا خيارات@ والمخير ماهو مغبون .
وي امحالية في الحسنات @ وامحالي في الفظة نون. 

 

النائب البتول عبد الحي

معلومات إضافية