البلاط والرجال ... شيء من أمور السياسة والاجتماع ---

عندما علق معاوية بن أبي سفيان قميص عثمان بن عفان مطالبا بالثار، كان وقتها مجرد والي لأمير المؤمنين وكانت دمشق وقتها أيضا ولاية تابعة للمركز في الحجاز، ولكن ما إن رفع ذلك الشعار بغطاء قميص عثمان، تحول معاوية من والي إلى زعيم ثم ما لبث إلى أن أصبح واليا مؤسسا لدولة بني أمية.

  منذ تنصيبه رئيسا 01\08\2019 مازال محمد ولد الشيخ الغزواني لم يحدد ملامح دولته بعد، بالرغم أنه ليس خارجا على سلطان أو مطالبا بثأر من آخر، بل جاء عن طريق انتخاب عمومي من جماهير الشعب الموريتاني وبنسبة وصلت 52% ، إلا أن الرجل بالرغم من إطلاق برنامج "تعهداتي" الذي وصف بالمتكامل من قبل المتابعين، فإن هذا البرنامج الذي في أولياته التعليم، قد احتفظ صاحبه بوزير التعليم العالي الذي يثير كثير جدل في الأوساط الطلابية، هذا مع قرب العام الدراسي دون الوقوف على تغيرات كبيرة في حقل يعترف الجميع انه الأكثر فسادا وإرباكا وعجزا في البلاد، وهنا يمكن العودة إلى بعض الأحاديث التي تم تداولها حول إقالة الوزيرة الناها بنت مكانس -في عهد الرئيس السابق- التي طلبت الإقالة أو التحويل بعد عدم قدرتها على القيام بأي شيء،في القطاع الأهم بالنسبة لمشروع أي دولة.

مشروع الدولة المنتظر كان الرهان عليه كبيرا أن ينطلق مبكرا بسبب وجود الرئيس المنتخب حديثا في المخزن السياسي منذ وقت طويل، وتشاركه قيادة الدولة ومن مناصب عدة كانت كلها مناصب دقيقة وحرجة ومركزية جدا في تلك الأنظمة.
إلا أن هذه التجربة لا تبدو ذات بال عندما تعلق الأمر بتولي كرسي الرئاسي، فإلى الآن ليس هناك حراك كبير في البنية الإدارية، يخول الوزراء الجدد والمسؤولين الأمنيين والاقتصاديين اتخاذ إجراءات جادة في اتجاه تطبيق مشروع "تعهداتي"، أو حتى تكريس صورة التغيير الذي حدث، عدى عن لقاءات سياسية مع بعض قيادات المعارضة التي مارسها ضدها ولد عبد العزيز -الرئيس المغادر دستوريا- الكثير من التهميش والإبعاد عن الصورة.
النقص الأكبر الذي يقف في وجه الرئيس ولد الغزواني هو غياب رجال يحيطون به لهم اليد الطولى في إدارة الفضاء السياسي، هذا مع سلوك الرجل الذي يقول بعدم الاهتمام بالدخول في صراع من اجل مأمورية ثانية يخولها القانون له، فقد ركز الرجل على خلق صورة مغايرة له عن الرئيس كما عرفناه سابقا، بلبل المنابر ومقص تدشينات الحنفيات وافتتاح الورش .
فعلى مستوى الرجال كانت خيبة الأمل الأولى التي واجهت الرئيس تلك التصريحات التي تسبب في إنهاء مهمة وزير التعليم العالي سيدي ولد سالم ناطقا باسم الحكومة ، ثم بعدها الخطأ التحرير الذي قدمت فيه التلفزة العمومية التعازي في ضحايا فيضان سيلبابي باسم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، تلا كل ذلك الأخطاء الفادحة التي حاول من خلالها من يوصفون بخلصاء الرئيس المنتخب بتلافي الهفوة، فتم سحب حديث ولد سالم من الإعلام الرسمي مما تسبب في أزمة في أزمة بين رجال القصر.
ظِل ولد عبد العزيز لا يبدو أنه موجود فحسب بل إن جل رجاله مازالوا في مواقعهم الإدارية والخدمية، وهو ما يعني ضرورة انحسار مكانة الرئيس الجديد في الفضاء الإداري ومطابخ القرار.
ولا يعني هذا أن الرجل ضعيف أو لا يملك مشروع ولكن في الحقيقة مشروع دون رجال أشبه بالبناء في الهواء، وهذا يحدث منه شيء كبير الأشهر الماضية من حكم ولد الغزواني.
إن أكثر أثر تركه الملوك والزعماء عبر تاريخهم كان من خلال القدرة على البطش بأسلافهم وأندادهم، فنيرون أشهرهم ولسبب بسيط وهو حرقه العاصمة عازفا الموسيقى على أنقاضها، ثم تلاه من تلاه في السياق العربي عبر العصور، كلهم اشتركوا في القدرة على بناء حاشية قوية تكون هي ضمان البطش ويدهم التي يضربون بها.
ومع أن "أزواية" لا يميلون للعنف ضرورة إلا أن الرجل الذي قضى معظم أيامه في قيادة المؤسسة العسكرية، وعايش مختلف أيام البلاد سلما وحربا مدرك حتما لمدى قيمة وجود حاشية قوية وذكية لا تضمن له تحقيق مشروعه فحسب، بل تعمل كمجس إنذار ضد أي عصى يسعى إلى وضعها في الدولاب، لإيقاف التحرك المنتظر نحو تنمية ما منتظرة جدا من كل أطياف الشعب.
والى أن يحل موعد الإقلاع ... فما أكثر العصي في أكثر دواليب الدولة حساسية.
*****
لم يبقى هم معاوية الأوحد هو الصراع من أجل الثأر لعثمان فحسب بل تحول مع الوقت إلى قائد لجيوش وزعيم روحي وسياسي لدولة، ربما لم يخطط لها من اللحظة الأولى ولكنها جاءت مع تكل القوة تحت يده حتى نقل العاصمة الإسلامية من الحجاز إلى الشام.
#تبصير_سياسي

 

الشيخ الحسن البمباري

معلومات إضافية