بين الرِّماح والألوَاح

سيدي أحمد مولوديرتبط مصطلحا (استزوي واستعريب) في الثقافة الشعبية بالسلوك أكثر من ارتباطهما بالإنتماء القبلي والعرقي.
ومحلُّ الشاهد من التدوينة أن بعض العامَّة يظن أن الشجاعة والفتوَّة خصلتان تختصُّ بهما (قبائل السلاح- لعرب) دون (قبائل الألواح - الزوايا) وهذه خرافة تنمُّ عن الجهل وقصور الإدراك، حيث إن شجاعة قبائل الشوكة (لِعرَب) ترجع لثلاثة أسباب:

1 احتكارها للسلاح وسبقها لاقتنائه من خلال المقايضة التجارية مع الدول الأوروبية التي كانت تأخذ منهم مادة الصمغ مقابل السلاح، ومن هنا ندرك أن المقارنة بين شخص مُسلح وآخر أعزل غير مُنصِفة.

2 استِسهالهُا للقتل النابع من عدم التعلم والتديُّن، بعكس قبائل الزوايا الذين يَمنعُهم التديُّن والتعلم من سفك دماء الناس من غير مسوِّغ شرعي.
3 تفرُّغ قبائل (لعرب) للغارات التي يقتاتون منها، مقابل انشغال قبائل الزوايا بالعلم والتجارة والزراعة والتنمية الحيوانية.
والحقيقة أن (الزوايا) حين يدخلون حربا مشروعة يكونون أكثر شجاعة واستعدادا للشهادة والتضحية من (لعرَب)، وتاريخ المقاومة شاهد على ذلك، فقد دوَّخ تلاميذ الشيخ ماء العينين المستعمر الفرنسي ومرَّغوا أنفه في التراب مرارا وتكرارا، كما أن معركة النيملان وغيرها من المعارك التي شارك فيها الزوايا شاهدة على ذلك.
هذا بالإضافة إلى أن قبائل الزوايا هزَمت قبائل حسَّان عدة مرات في حرب (شرببَّ) على الرغم من ضعف التدريب وقصور الخبرة في القتال، كما أن بعض قبائل الزوايا اصطدمت ببعض قبائل حسَّان في حروب طاحنة، وهزمتها مرات عديدة، وهذا معروف تاريخيا.
* ينظر حسَّان إلى أنفسهم باعتزاز وفخر باعتبارهم أهل شوكة وفتوة وشجاعة، بينما يتباهى الزوايا بأنفسهم بوصفهم نخبة المجتمع فمنهم العلماء والأدباء والقضاة والأولياء...
* يعتقد لعرَب أن الزوايا ارتكبوا جرما شنيعا وخيانة عظيمة حين كاتبوا النصارى بحجة أنهم غزاة كافرون يجب التصدي لهم بالجهاد، فيرُد عليهم الزوايا بتهكم وسخرية شديدين؟
إن كفِّ اليد عن أموال الناس ودمائهم، أولى وأوجب من الجهاد، وهذا ما جعلنا نكاتب (النصارى) حماية لدمائنا وأموالنا من بغيكم.
* يعتقد (لعرَب) أن جُرأتهم في الخصام والقتال نابعة من الشجاعة، وأن برودَ أعصاب الزوايا وصبرَهم على الأذى مردُّه إلى الجُبن وقلة الحيلة وضعف الشخصية.
أما الزوايا فيعتبرون صبرَهم على الأذى نوع من الحلم والمُرونة وسعة الأفق والبعد عن الطيش وهي خلال نابعة من التعلم والتديُّن، وأن جُرأة (لِعرَب) مَردُّها إلى التعَجْرُف والوقاحة وسوء الخلق...
لكن يجب أن نلفت الانتباه إلى أن بعض قبائل الشوكة تخلى عن سلوكه، ومالَ إلى سلوك الزوايا، فأصبح يُطلق عليه (التياب) والعكس صحيح أيضا، فبعض الزوايا تمَلصَ من سلوكه وتخلق بأخلاق أهل الشوكة، فالمسألة ثقافية أكثر منها قبلية أو عرقية.
* خلاصة القول أن العلم ليس حكرا على (الزوايا) كما أن الشجاعة ليست حكرا على قبائل (الشوكة) إذ لا توجد في التاريخ صفة عامَّة ومُطلقة لأي مجتمع تلازمه عبر العصور في كل زمان ومكان، سواء كانت هذه الصفة مُستقبحة أو مُستحسنة.
* لا بدَّ من التنبيه أيضا إلى أن مصطلحيْ (استزوي واستعريب) كلاهما يَحمل دلالات مُتعدِّدة سلبية وإيجابية، لكن سياق الحديث هو الذي يُحدِّد دلالة المُصطلح هل هو للمدح أم للقدح، فعبارة (استعريب) تحيلُ إلى الشجاعة والنخوة في بعض المواضيع، وهي في سياق آخر قد توحِي بأشياء قادحة كالفسق والزندقة والتلصص والظلم... وذلك حسب صياغتها وطريقة النطق بها، والأمر ينطبق على (استزوي) الذي يَحمل دلالتين إحداهما توحي بالتعلم والتديُن والسكينة والوقار، والثانية تنطوي على معاني أخرى مثل ضعف الشخصية أو عدم الوضوح أو الارتباك.
* تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد صراع بين لعرب والزوايا، فهذه فكرة خاطئة كاذبة، والصحيح أن الصراع الذي حدث كان بين قبائل الشوكة والقبائل المسالمة، لأن حمل السلاح لم يكن خاصا بلعرب.
* كما أن حرب شربب لم تقع بين عامة لعرب وعامة الزوايا، بل حدثت في رقعة جغرافية ضيقة، وبين قبائل محدودة من الزوايا ولعرب، وبقية سكان موريتانيا لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مع العلم أنها لم تكن محل إجماع بين علماء الزوايا.
وفي الختام يجب أن نأخذ من "استعريب" القيمة الفخرية ذات النفس البطولي والطبيعة الحماسية المفعمة بالنخوة والشهامة، كما ينبغي أن نتناغم مع الدور العلمي والروحي للزوايا، لا أن نعتبرهما طرفي نقيض، بل هما جانبان يتكاملان لا يستغني أحدهما عن الآخر، كل منهما يهذب طبيعة الثاني ويفعل دوره في النهوض بالمجتمع نحو الإصلاح والبناء والعطاء المثمر.
يجب أن نتجاوز مطبات الماضي ونستأنس بجوانبه المشرقة من تراثنا الشنقيطي ونتطلع لمستقبل زاهر نعتز فيه بعطاء وإبداع كل فئة من فئات المجتمع، سبيلا إلى بناء دولة عصرية ووطن جامع.

 

سيدي أحمد مولود

معلومات إضافية